*بقلم الدكتور يوسف صقر*
لا ينفكّ الإرهابي الجولاني في إهانة كرامات البشر في سوريا لمجرّد أنهم من ديانة أو طائفة مغايرة لمذهبه. فالمعروف أنّ المجتمع السوري عبارة عن فسيفساء من الأديان والطوائف، وكل فرد في المجتمع الشرقي يرث معتقده عن والديه ومن ثمّ البيئة التي ترعرع فيها. وللأسف يعتبر أنّ معتقده هو الصحيح، ومعتقد الآخرين باطل، والطامّة الكبرى عندما يبدأ بكره الأديان والمذاهب الأخرى انطلاقاً من مفاهيم زُرعت في فكره، وصولاً إلى مرحلة تكفير الغير وقتله. فهذا قمّة الجهل في التعامل الإنساني، الخالي من أي طابع أخلاقي أو قيم إنسانية. ومن العبث أن تجري حواراً عقلانياً مع من ورث معتقده كما ورث اسمه وملامحه، فما لم يكتسب عن وعي لا يمكن أن يُراجع بالعقل.
وبالنظر إلى المؤامرة الدولية على سوريا التي بدأت عام 2011، نلاحظ أنّ أغلب الذين تهجّروا من سوريا لجأوا إلى دول قارة أوروبا، ودول القارة الأمريكية، والمعروف أنّ ديانة هذه الدول ومذاهبها لا تتطابق مع أغلب ديانات ومذاهب الشعب السوري. ورغم ذلك كان حلم المواطن السوري الهجرة إلى الغرب والحصول على إقامة أو جنسية تؤمّن له مستوى لائقاً من الحياة الكريمة. وقد استقبل لبنان في جميع مدنه وبلداته الإخوة السوريين وعاشوا جنباً إلى جنب مع المواطنين اللبنانيين من دون التعرّض لأي فرد منهم بإهانة. فلماذا يقبل السوري العيش في الدول المخالفة لدينه أو مذهبه، ولا يقبل التعايش مع الملل والمذاهب الأخرى في بلاده؟
بينما الدول التي تتطابق في الدين والمذهب مع الشعب السوري، لم تسمح للسوري أن يطأ أرضها، أو أن يحصل على فيزا سياحية لزيارتها، بل والأكثر من ذلك منعت إقامة مخيّمات لهم على أراضيها.
ولا يتجرأ أي فرد سوري على ذكر هذه المعاملة، أو الاعتراف بتلك الحقيقة.
وفي السياق نفسه ترتكب زُمر الجولاني أفظع الجرائم على مرّ التاريخ بحق السوريين لمجرّد أنهم من غير طائفته. ففي الساحل السوري، الذي تسكنه أكثرية علوية، أقدمت عصابات الجولاني على تكبيل الرجل واغتصاب زوجته أمامه، حسب رواية النائب السوري وليد درويش التي أدلى بها في جلسة لمجلس الأمن بالأمم المتحدة. وفي السويداء التي يقطنها أكثرية درزية، أحرقت عصابات الجولاني رجلاً مشلولاً على كرسي متحرّك، لأنه من غير طائفة عصابات الجولاني الحاكم. وفي أي قانون ديني أو أخلاقي يُرسَل انتحاري إلى كنيسة في دمشق يمارس فيها المسيحيون طقوسهم الدينية ويقوم بتفجير نفسه بالمصلّين؟ والأنكى من ذلك أنّ الجولاني يسارع إلى إلصاق التهمة بتنظيم داعش، بينما التحقيقات أثبتت أنّ دود الخلّ منه وفيه. هذا غير قصّ الشوارب وقتل كبار السنّ والأطفال واغتصاب النساء.
فكيف يمكن لنظام يقتل كهولاً وأطفالاً ونساءً وشباباً لأنهم من غير ملّته أو مذهبه أن يبني حضارة أو دولة؟ والمفارقة أنّه مع انفضاح كل عمل إجرامي لعصابات الجولاني، نشاهد في اليوم الثاني أحمد الجولاني يصلّي صلاة الصبح في الجامع. وهنا الكارثة الكبرى، فابن رشد يقول: “إذا أردت أن تسيطر على جاهل فما عليك إلا أن تغلّف كل باطل بغلاف ديني”.
وتجارة الأديان هي أكثر تجارة مربحة، لأنها تشحن نفوس الناس بالطاعة العمياء، من دون تمحيص سيّئات العمل من حسناته.
نعوّل على وعي الشعب السوري الذي رفع شعار: “دم السوري على السوري حرام”. فهل تفهم عصابات الجولاني حرمة هذه الجملة، ويكون الهدف اللحمة بين مكوّنات المجتمع، ووضع نصب أعين الشعب السوري على الحضارة والتقدّم بدل لغة التكفير والقتل؟
يقول ليونيد فيلاتوف: “لا توجد مصيبة في العالم أسوأ من الأحمق الذي يتحكّم في مصائر الآخرين”





